تحذر الدكتورة ماريون ميسمر، مديرة برنامج الأمن الدولي، من أن التهديدات الأميركية المتكررة بضم جرينلاند لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد تصريحات عابرة، خاصة بعد الهجوم الأميركي على فنزويلا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، وما تبعه من تصعيد في خطاب مسؤولين أميركيين مقربين من إدارة الرئيس دونالد ترامب وحركة “ماغا”.

 

يشير موقع تشاتام هآوس إلى أن هذه التهديدات أثارت قلقًا متزايدًا في الدنمارك، لا سيما أن جرينلاند إقليم يتمتع بالحكم الذاتي ضمن السيادة الدنماركية، وأن أي مساس به يعني استهداف دولة عضو في حلف شمال الأطلسي.

 

لماذا جرينلاند؟ الأمن القومي والذريعة الاستراتيجية

 

يروج الرئيس ترامب لفكرة أن الولايات المتحدة “تحتاج” إلى جرينلاند بسبب موقعها الاستراتيجي في القطب الشمالي. ويستند هذا الطرح إلى تصاعد النشاطين العسكريين الروسي والصيني في المنطقة، وإلى حقيقة أن أي هجوم صاروخي روسي محتمل على الولايات المتحدة قد يمر فوق جرينلاند، ما يجعلها موقعًا مناسبًا لنشر منظومات اعتراض صاروخي ضمن مشروع “القبة الذهبية” للدفاع الصاروخي، وهو أحد أولويات إدارة ترامب.

 

لكن التحليل يشير إلى غموض مبررات السعي إلى السيطرة الكاملة على الإقليم، إذ تمتلك الولايات المتحدة بالفعل وجودًا عسكريًا راسخًا هناك عبر قاعدة “بيتوفيك” الفضائية، التي تعمل منذ عام 1943 وتضم وحدات إنذار مبكر للصواريخ الباليستية وأجزاء من شبكة الأقمار الصناعية الأميركية، إضافة إلى مدرج جوي وميناء استراتيجي في أقصى شمال العالم.

 

ويتيح اتفاق دفاعي موقّع عام 1951 بين الولايات المتحدة والدنمارك استمرار هذا الوجود، كما يسمح بتعزيز القوات عند الحاجة من دون المساس بالسيادة الدنماركية، وهو ما يضعف الحجة الأميركية المطالِبة بالسيطرة المباشرة.

 

الدنمارك والناتو: تهديد وجودي للتحالف

 

رفضت كوبنهاجن التهديدات الأميركية بشكل قاطع. وأكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن أن الولايات المتحدة والدنمارك حليفتان في الناتو، وأن واشنطن تمتلك بالفعل وصولًا عسكريًا إلى جرينلاند. وذهبت أبعد من ذلك عندما حذرت من أن أي هجوم على جرينلاند سيعني عمليًا نهاية الحلف.

 

ولا يرى التحليل هذا التحذير مبالغًا فيه، إذ يصعب تصور تعافي الناتو من صدمة خرق معاهدة بهذا الحجم، حيث يهاجم عضو دولة عضوًا أخرى للاستيلاء على أراضٍ. كما تضع هذه التهديدات مصداقية المادة الخامسة، التي تشكل جوهر الردع الجماعي، على المحك، خاصة في ظل سياسات أميركية سابقة أضعفت الثقة بالتزامات واشنطن الدفاعية.

 

ويتجاوز الخطر الجانب العسكري ليصل إلى البعد القيمي، إذ يقدّم الناتو نفسه بوصفه تحالفًا قائمًا على الديمقراطية وسيادة القانون. وأي تجاهل أميركي للقانون الدولي يقوض الأساس الأخلاقي الذي يستند إليه الحلف في انتقاد سلوكيات دول أخرى، مثل روسيا.

 

ماذا بوسع أوروبا أن تفعل؟

 

يدعو التحليل القادة الأوروبيين إلى إعادة تقييم حذرهم في انتقاد السياسة الأميركية، خاصة بعد الهجوم على فنزويلا، الذي وصفه خبراء قانونيون بأنه غير مبرر قانونيًا. ويرى أن الصمت أو اللغة الملتبسة قد يرتدان سلبًا على أوروبا، خصوصًا في عالم يشهد إعادة تشكيل مستمرة للتحالفات.

 

ويؤكد أن الاعتماد على الضمانات الأمنية الأميركية لم يعد خيارًا واقعيًا طويل الأمد، حتى مع استمرار التهديد الروسي. وبينما يظل الانسحاب الأميركي التدريجي من أوروبا أفضل من انسحاب مفاجئ، يجب على الدول الأوروبية الإسراع في بناء قدراتها الذاتية، لا سيما في مجالات القيادة والسيطرة والدفاع الجوي.

 

وفي حال واصلت واشنطن تهديد دول الناتو، تمتلك أوروبا أوراق ضغط حقيقية، رغم أنها بدت سابقًا غير قابلة للتصور. يمكن للدول الأوروبية فرض قيود على استخدام القواعد العسكرية، أو رفض تزويد السفن الأميركية بالوقود، أو فرض شروط مالية صارمة على تمركز القوات الأميركية، بل وحتى طرح إغلاق بعض المنشآت العسكرية.

 

ويرى التحليل أن هذه الخطوات قد تذكّر واشنطن بأن الوجود العسكري الأميركي في أوروبا لم يخدم الأمن الأوروبي وحده، بل وفر أيضًا تسهيلات حيوية للعمليات الأميركية في الشرق الأوسط والقطب الشمالي، ضمن شراكة ظلت مفيدة للطرفين لعقود.



https://www.chathamhouse.org/2026/01/us-intentions-towards-greenland-threaten-natos-future-european-countries-are-not-helpless